facebook
twitter
Youtube
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss

عزوف…وتزوير

الأربعاء ٣٠\٠٨\٢٠١٧
بلال حسن التل

• من هو الذي أفرز المجالس المنتخبة في بلدنا، وآخرها المجالس البلدية ومجالس اللامركزية؟

• من هو الذي زور إرادة الناخبين، في الانتخابات التي شهدتها بلادنا في العقدين الأخيرين؟

• من هو الأكثر وعياً ومشاركةً، حملة الشهادات العليا، والأثرياء وسكان الأحياء الراقية، أم أنصاف المتعلمين والحرفيين وسكان الأحياء الشعبية والأقل حظاً، وصولاً إلى العشوائيات؟

كلها أسئلة تطرح نفسها أمام عزف العازفين على إسطوانة العزوف عن المشاركة في الانتخابات، والتي هي فوق أنها إسطوانة مشروخة، ومعادة وسمجة من جانب، فإنها صارت من جانب آخر إسطوانة خطرة بعد أن لاحت في الأفق إمكانية التوظيف الخبيث لها، من بعض زراع الفتن، ممن يتجاهلون قراءة السطر من اليمين إلى الشمال، وقراءة الصفحة من الأعلى إلى الأسفل، ربما لأن قرآتهم تحاول فك رموز رسائل أسيادهم السرية، التي نجزم أنها تصب في جهود تفتيت تماسكنا الاجتماعي والسياسي ووحدتنا الوطنية، وتحويلنا إلى كيان هش يسهل ابتلاعه، خاب فألهم.

لأن أية قراءة موضوعية لتركيبة العازفين عن المشاركة في الانتخابات تؤكد أنهم ينتمون إلى كل الجغرافيا الأردنية، تماماً مثلما أن سكان عمان واربد والزرقاء، وهي المدن الأكثر عزوفاً عن المشاركة يمثلون كل الجغرافيا الأردنية، ففي المدن الثلاث جمعيات لأبناء الجنوب، ولأبناء نابلس، ولأبناء الخليل…الخ، يضاف إليها في عمان والزرقاء جمعيات لأبناء الشمال، ومن ثم فإن تدني نسبة مشاركة هذه المدن الثلاث في الانتخابات لا يعود إلى سبب جغرافي، بمقدار ما يعود إلى اسباب أخرى، فيها الإجابة على الأسئلة التي طرحناها في مقدمة المقال.

أما الذي أفرز المجالس المنتخبة في بلدنا، فإنهم ليسوا أولئك الذين خرجوا إلى صناديق الاقتراع، لكنهم الذين أحجموا عن الخروج والمشاركة، وهم النسبة الأعلى التي لو شاركت لحدت من تأثير المال الأسود، وتأثير العصبيات الجهوية والطائفية، ولكانت النتيجة مختلفة تماماً، ولكان لدينا مجالس نواب وبلديات ولامركزية ونقابية مختلفة تماماً، وهي حقيقة كان على الذين استبدلوا الذهاب إلى صناديق الاقتراع بالذهاب إلى التسوق ورحلات التنزه أن يدركوها، ويدركوا قبلها أنهم بسلبيتهم هذه تركوا مصيرهم ومصير تفاصيل حياتهم للآخرين، يقررونها نيابة عنهم، وبالشكل الذي لا يرضيهم ولا يعبر عن أحوالهم، فقد نسي هؤلاء أن النواب هم الذين يشرعون القوانين التي تحكم حياتهم، ونسوا أن المجالس البلدية هي التي تقرر شكل وحجم ونوعية الخدمات التي تقدم لهم، ونسوا أن مجالس اللامركزية هي التي ستحدد أولويات مناطقهم، كما نسي هؤلاء أن النقابات هي التي تتحكم بمواصفات مهنهم، وصناديق تقاعدهم، وضمانهم الصحي، فعزفوا عن المشاركة وتركوا مصيرهم للآخرين يقررون شكله نيابة عنهم، بدعوى أنه لا فائدة من المشاركة، وهي فرضية عدمية لأن هذه السلبية تفتح المجال لمن يريد أن يتلاعب بالانتخابات ليفعل ذلك بسهولة، أما عندما تكون المشاركة واسعة فإن مساحات التلاعب تضيق، ولذلك فإنني أستطيع القول إن الذين عزفوا عن المشاركة في أيام الاقتراع هم المسؤولون عن كل سوء يزعمون أن صناديق الاقتراع أفرزته، مثلما أنهم هم الذين بإحجامهم عن المشاركة يزورون الإرادة الحقيقية للأمة لتأتي النتائج غير معبرة عن إرادة الأمة.

ولهؤلاء الذين يعزفون عن المشاركة في كل انتخابات نقول: إن من يقف على رصيف الأحداث لمشاهدتها، دون أن يشارك بها، لا يحق له أن ينتقد مجرياتها دون أن يكون له شرف محاولة تصحيح مسارها، بل أكثر من ذلك فإنه لا يجوز له أن يمارس النقد لممارسات هذه المجالس المنتخبة، لأن سلبيته هي التي ساهمت في مثل هذا الفرز الذي ينتقده، فليصلح ممارسته ليتمكن من تصحيح أداء المجالس المنتخبة، وهذه واحدة تقودنا إلى الثانية التي تثبت أن أنصاف المتعلمين، والحرفيين، وسكان الأحياء الشعبية والأقل حظاً، أكثر وعياً ومشاركة من حملة الشهادات العليا، والأثرياء، وسكان الأحياء الراقية، لأن أنصاف المتعلمين والحرفيين وسكان الأحياء الشعبية هم الأكثر مشاركة لأسباب كثيرة بعضها لمصالحهم الشخصية، وهذا أمر لا يعيبهم فالأصل في المجالس المنتخبة أنها تدافع عن مصالح الناس، ويعضهم الآخر يشارك لأسباب جهوية وعشائرية، وهذا أمر لا يعيبهم، فالإنسان ابن بيئته وابن ثقافته، وقد كان على الأحزاب والجامعات ومراكز التفكير والتفكر أن تسعى إلى تغيير ثقافة الناس من ثقافة الجهة والعشيرة إلى ثقافة الوطن والفكرة، لكنها بدلاً من أن تفعل ذلك تلطت هي بالعشائر وبالجهوية وصارت ذيلاً لها، ثم صارت تتحدث عن مال أسود، وتزوير انتخابات وعدم كفاءات المجالس، وتناسى الجميع أن ذلك كله من زرع أيديهم فبئس الزراّع هم.

أضف تعليقك