facebook
twitter
Youtube
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss

متاهات الدبلوماسيين في زمن ترامب!!!

الأربعاء ٣٠\٠٨\٢٠١٧
رنا الصباغ

معظم الدبلوماسيين يشعرون هذه الأيام بالمتاهة في عاصمة العالم حيث يمثلون مصالح دولهم المتشعبة؛ سياسية، أمنية، عسكرية، واقتصادية عبر بوابة رئيس جديد غير تقليدي أهانت تغريداته المسلمين والمكسيكيين، النساء، أسرى الحروب، الإعلاميين وحتى أعضاء بارزين في حزبه.

لكن عددا من الدبلوماسيين العرب تأقلموا مع هذا الواقع واستفادوا من خبراتهم التراكمية في بلادهم، فوظفوا العلاقات الشخصية والمحسوبية في التعامل مع إدارة جديدة تحاكي – في جوانب عديدة- محورية السلطة في بلادهم وتحكّم “القائد الملهم” بمفاتيح إدارة شؤون السياسة وصوغ القرار. نكوص المرجعيات التقليدية عن المشاركة في مطبخ السياسة يتم من خلال (سيستم) مغلق؛ رجل قوي يصنع في مكتبه نظاما موازيا للحكومة صاحبة الولاية العامة. يساند هذه المعادلة كتائب من الموالين وحلقة ضيقة من المستشارين من فئة الأبناء، الأنسباء، المحاسيب وأصحاب الحظوة والنفوذ ينشطون في التهليل لصاحب القرار.

في المقابل، يتأرجح دور النظام التشريعي ويتعرض القضاء للتسييس، بينما يتحول الإعلام إلى مشجب لتعليق الأخطاء.

أقصر الطرق لخطب ود الرئيس دونالد ترامب هذه الأيام هو التقرب من ابنته إيفانكا وزوجها جارد كوشنر. فالعلاقات الشخصية غدت اليوم أهم أدوات التواصل مع ساكن البيت الأبيض. هذه القنطرة توفر للدبلوماسيين العرب فرصة نادرة للتفوق على أقرانهم. فالسفراء الأجانب تائهون أمام المحسوبية “المؤمركة” بعد أن اعتادوا العمل مع مصفوفة من مراكز القوى؛ الخارجية وخزّانات الأبحاث الاستراتيجية عبر آليات واضحة في إدارة شؤون البلاد والعباد كما في بلادهم.

دور وزارة الخارجية تقزّم كثيرا. وبات الزعيم الجديد للعالم الحر يعلن عن سياساته عبر تغريدات مقتضبة، تصنع أجندة الإعلام الرقمي والتقليدي.

غداة فوزه، دخل ترامب إلى البيت الأبيض مع شخصيات متباينة في الآراء السياسية، بمن فيهم قوميون متعصبّون، تقديرا لوقوفهم معه خلال حملته الانتخابية بغض النظر عن مؤهلاتهم أو خبراتهم السياسية. وبذلك قلب الرئيس إدارة الرئاسة رأسا على عقب، ما أضرّ بهيبته وصدقيته. مع ذلك، ما يزال الرئيس يتمتع بدعم كتلة انتخابية متماسكة معجبة بطريقة تواصله معها ببساطة وشعبوية.

على غرار غالبية المسؤولين العرب، تحوّل ترامب إلى زعيم صاحب رؤيا ثاقبة وفكر مستقل قادر على اتخاذ القرارات، رسم السياسات ووضع النقاط على الحروف. أما بقية “الكومبرس” فهم في الغالب قطع ديكور لخلق انطباعات بأن القرارات تؤخذ بالإجماع.

هذا الرجل القوي نجح حتى اليوم في إفشال أي طرح لا يتناسب مع مواقفه. وبدل توظيف الأدوات الدبلوماسية/ السياسية التقليدية، يمعن في الاختباء خلف عباءة “حماية الأمن القومي”.

كل من يحاول عرقلته يطاله العقاب؛ إما بصليات الانتقاد اللاذع عبر تويتر أو الطرد من العمل. ومن يحاول الدفاع عنه قد يصاب بالإحباط بسبب مواقفه المتطرفة.

نفوذ وزارة الخارجية الأميركية تضاءل بعد أن كانت مركز قوى رئيس في إدارة ملفات السياسة الخارجية، بحسب دبلوماسيين ومسؤولين وكتّاب رأي في واشنطن.

تاريخيا وسياسيا، غالبية الدبلوماسيين الأميركيين هم أقرب لمبادئ الحزب الديمقراطي وقيمه. عديد ممن انتهت مهامهم في الخارج مع بدء عهد ترامب يبدون قلقهم حيال العودة للخدمة في وزارة الخارجية، التي فقدت بوصلتها وأخذت تنفذ سياسات يرسمها ترامب، ضاربا بعرض الحائط توصيات سفرائه حول العالم.

معظم المناصب الحسّاسة في الخارجية ما تزال فارغة. وكذلك تعيين السفراء، الذي يتطلب موافقة الكونغرس المشغول في معارك أخرى.

وزارة الخارجية لم تعد العنوان الأول للسفراء لمناقشة السياسة الخارجية، وبخاصة القادمين من بلاد تعاني من استمرار الصراع العربي-الإسرائيلي؛ أساس الإرهاب والتشدّد، اللذين تصدرهما المنطقة للعالم، وكذلك ملف إيران. وهكذا يتحرك الدبلوماسيون العرب عبر قنوات اتصال وصداقة شقّوها صوب البيت الأبيض. حل الدولتين خرج من تحت عباءة وزير الخارجية ريكس تيلرسون ليستقر بيد صهر الرئيس جارد كوشنر (35 عاما) ؛ وهو أخطبوط في قطاع عقارات، يهودي متدين قاد العمليات الخاصة خلال حملة ترامب الانتخابية بكفاءة. يشاركه في هذا الملف المستشار الرئاسي لشؤون الشرق الأوسط جيسون غرينبلات.

كوشنر المستشار في الجناح الغربي للبيت الأبيض لا يتقاضى راتبا لأن القانون يمنع توظيف الأقرباء في مناصب رسمية لضمان الولاء للدستور وليس للأفراد. لكنه صاحب الصوت القوي بعد نائب الرئيس. واضح أن وزير الخارجية المليونير ريكس تيلرسون -القادم من عالم المال والنفط- يدير العلاقات مع روسيا وملف الأزمة بين قطر والسعودية بحكم علاقاته التجارية السابقة مع أصحاب النفوذ في هذه المناطق الجغرافية المتباعدة. وبقي الملفان السوري والعراقي في جعبة وزارتي الخارجية والدفاع والأجهزة الاستخبارية والعسكرية. إيفانكا ابنة ترامب – التي اعتنقت اليهودية للزواج بكوشنر، مسؤولة اليوم عن رسم سياسات ذات صلة بالشؤون الاجتماعية وقضايا المرأة. زوجة ترامب، ميلانيا، عارضة الأزياء السابقة الشقراء ذات القوام الممشوق والضحكة الساحرة مشغولة في تربية ابنها. وهي لا تظهر إلا عند الضرورة برفقة زوجها في إطلالاته الرسمية أو لقراءة خطاب قصير جهّز لها، على نقيض الحضور السياسي الواسع لعقيلات رؤساء سابقين، بخاصة هيلاري زوجة بيل كلينتون وميشيل زوجة باراك أوباما.

ترامب يدير الأزمة المتفجرة مع كوريا الشمالية وحزمة ملفّات داخلية بدءا بمحاولة إصلاح النظام الضريبي وببناء جدار مع المكسيك مرورا بفك عقدة معارضة مشروع “أوباما كير” وانتهاء بالتوتر الداخلي الذي يأخذ منحى عرقيا خطيرا.

قرارات يفترض أن تتخذّها الوزارات الحيوية باتت اليوم ترسم وتنفّذ في البيت الأبيض. بالطبع تسهل مهمة السفراء بحسب ثقل بلادهم الاستراتيجي وقدرتهم على تمويل حملات علاقات عامة ودعم أنشطة اجتماعية للظهور بمظهر حضاري. وكذلك التبرع لمراكز أبحاث ودعوة وفود إعلامية لزيارة بلادهم والترويج لها بصورة تليق بالخطاب العام في أميركا وبخلاف الواقع. من يدفع أكثر على هذه الأنشطة تزداد نجوميته.

في عهد ترامب، تحول الجناح الرئاسي إلى مشهد قائم على الفوضى الخلّاقة القادمة مع الرئيس والشخصيات الإشكالية حوله.

يكتشف ترامب أخيرا أنه يحتاج لتصويب أوضاعه بعد أن هزّته سلسلة فضائح ومواقف سياسية أو ساهمت في تعزيز الإستقطاب السياسي، بخاصة عقب واقعة (شارلوت فيل) العرقية.

في مطلع آب (أغسطس)، اختار ترامب وزير الأمن الداخلي الجنرال المتقاعد جون كيلي لمنصب كبير موظفي البيت الأبيض خلفا لرينس بريبوس. واكب تعيين كيلي تغريدة لترامب وصفته بأنه “نجم حقيقي” داخل الإدارة، “أميركي عظيم” و”قائد عظيم”، بعد أن تولّى سابقا إدارة الحدود والهجرة والإنترنت وأمن المطارات وإدارة الكوارث الطبيعية.

فهل يشكّل تعيين الجنرال كيلي بداية لمراجعة آلية العمل في البيت الأبيض وإخراجه من عنق الزجاجة أم مجرد ملهاة جديدة قد تكلفه ثمنا سياسيا باهظا؟ سنعرف ذلك في قادم الأيام.

اختير هذا الجنرال غداة توجيه أنطوني سكارموتشي، المسؤول الجديد عن الإعلام في البيت الأبيض إتهاما لبريبوس بتسريب معلومات لوسائل الإعلام بعد أن وصفه بأنه “مريض بالشك والفصام”. وكان ترامب حذّر سابقا من أن التسريبات تشكّل تهديدا للأمن القومي وطالب بوقفها. الجنرال كيلي وضع شروطه قبل الانضمام إلى طاقم البيت الأبيض.

يبدو أن ترامب يدرك اليوم عقم طريقته في إدارة دفّة بلاده، ويقتنع بأن عليه البدء في تنظيف حديقته الخلفية والتراجع التدريجي عن وعود انتخابية أجّجت الانقسامات الداخلية على نحو غير مسبوق وعكّرت صفو علاقات الرئيس مع النخبة الثقافية والاقتصادية. علاقة الجنرال كيلي مع مستشار ترامب للأمن القومي هربرت ماكماستر جيدة. ماكماستر الذي أخذ مكان مايكل فلن – عقب إقالته على خلفية الشك بعلاقته مع روسيا – هو شخصية معروفة لدى حلفاء أميركا التقليديين ومحل ثقة عند المؤسسة الأمنية.

اليوم هناك أربع شخصيات تشكّل أركان أساسية في إدارة ترامب. ويمكنها إعانته على إدارة دفة علاقاته الداخلية والخارجية بطريقة أفضل في حال قبل الاستماع إلى نصائحها والتزم حدود عدم التدخل. أحدهم تيلرسون الذي عليه استعادة دور وزارة الخارجية. كذلك الجنرال كيلي، مكماستر ووزير الدفاع جون ماتيس.

لننتظر ونرَ؟

أضف تعليقك