facebook
twitter
Youtube
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss

حروب الموانئ وطريق الحرير الالتفافي

الجمعة ١١\٠٨\٢٠١٧

دبيبقلم: سامح المحاريق

قبل بضعة أشهر نشرت مواقع إعلامية عدة أخباراً عن مشروع قطار الـ»هايبر لوب» الذي يمكنه أن يصل بين دبي والفجيرة في دقائق، علماً أن المسافة بين المدينتين تصل إلى 170 كيلومترا، وتستغرق ما بين ساعة ونصف الساعة إلى ساعتين في الانتقال، كما أن دبي عملت على تطوير الطريق الواصل بين المدينتين ليختصر الوقت إلى نحو الساعة، من خلال تفريعة اختصرت جزءاً من المسافة ووفرت مسارب مفتوحة من دون تقاطعات أو مطبات.

ومع أن الأمر يبدو للوهلة الأولى مرتبطاً بتطوير البنية التحتية في دولة الإمارات، إلا أن كلمة الفجيرة يمكنها أن تكشف ما يقع وراء ذلك من رهانات لدبي لتوفير مدخل جديد على بحر العرب والمحيط الهندي، يأتي في وقته بالنسبة للمدينة التي اعتبرت طويلاً معجزة اقتصادية في المنطقة.

ارتبطت النهضة الاقتصادية في منطقة الخليج العربي بمعادلة الطاقة طويلاً، ولم يكن للمسطح المائي المغلق تقريباً أن يجد مكانه على خريطة التجارة العالمية، من دون وجود طلب مرتفع ومتبادل يخرج بالنفط من موانئه ويلقي بالبضائع المختلفة على ضفافه، وكان ذلك مدفوعاً بقوة شرائية كبيرة، وبنية تحتية نشأت على الفراغ، لا سيما أن دول الخليج بدأت عمليات التحديث في الستينيات والسبعينيات، ولم تتأسس على منجزات متراكمة، كما هو الحال في الدول العربية الأخرى، ويكفي المقارنة بين صور دبي قبل خمسين عاماً وصورها اليوم، ليدرك أي شخص مدى سخونة الحركة الاقتصادية والتجارية في دبي خلال العقود الماضية. كل ذلك للأسف ومن دون وجود بدائل واقعية ومنطقية على مسار التجارة العالمي التقليدي، يبقى مرتهناً للنهضة النفطية التي لم تعد وحدها تستطيع أن تشكل رافعة للاقتصادات الكبيرة داخل الخليج، بوصفه حيزاً جغرافياً، كما أن دبي لم تعد المدينة الجاذبة للمستثمرين على المدى البعيد، خاصة مع وجود محطات أخرى في المنافسة في إفريقيا وآسيا تتميز بقربها من الموارد الطبيعية والعمالة الرخيصة.

تمتلك دبي بنية هائلة للخدمات اللوجستية ولذلك فإنها تقدم في الفجيرة منفذاً جديداً للمبيعات، ولكن جاذبية الفجيرة نفسها تبقى موضعاً للتساؤلات أمام صعود أو عودة مدن أخرى، تمتلك مزايا تنافسية محتملة مثل صلالة في سلطنة عمان، وبالتأكيد عدن التي كانت ضمن مفردات التاج البريطاني، واستراحة الأساطيل المفضلة على طريق البهارات الهندي، وعلى ذلك فإن الموانئ ستظهر بوصفها أرضاً مفتوحة لحروب باردة وأخرى ساخنة في المنطقة. هل تجري هذه الحروب الاقتصادية والسياسية، والعسكرية أيضاً إلى حد بعيد، في الموقع الخطأ وضمن افتراضات تاريخية لم تعد تنتمي بشيء للمستقبل؟ ربما خبراء المواصلات هم من يمكنهم المفاضلة بين طريق البهارات البحري وطريق الحرير البري التقليدي، ولكن من الفطنة أن ينظر المتابعون الاستراتيجيون للبوصلة الاسرائيلية، التي أخذت معالمها تتضح في آسيا الوسطى، وبمقارنة قائمة التمثيل الدبلوماسي الاسرائيلي المتواضع في إفريقيا بالتواجد الكثيف في وسط آسيا، يتضح توجه تل أبيب لبناء علاقات وثيقة مع دول طريق الحرير، من خلال بعثاتها الدبلوماسية في أذربيجان وجورجيا وكازاخستان وتركمانستان وأوزبكستان، ومحاولات إيجاد أرضية لخلق قبول لدولة اسرائيل في المجتمعات الإسلامية في آسيا الوسطى، على أساس تواجد الجاليات اليهودية القديم ووجود استثمارات كبيرة في العديد من القطاعات الواعدة.

الطريق الإسرائيلي يبحث عن وصلة كردية وعن سوريا مهترئة وعراق مهلهل، من أجل أن يوضع بوصفه النافذة المفتوحة لعالم المتوسط ومنه لأوروبا، وبذلك تكون إسرائيل وصلة حيوية تربط أوروبا بآسيا، من خلال منظومة خاصة تستطيع أن تختطف الأضواء من بحر العرب وقناة السويس معا، لاسيما أن اسرائيل مرتبطة بأوروبا بالعديد من الاتفاقيات التي تؤدي إلى تسهيل التجارة بين الطرفين، وبذلك تجهض اسرائيل استباقياً استثمارات بليونية يجري التحضير لها في هذه المنطقة، خاصة من دول الخليج، ولعل الإمارات تعتبر أكثر الدول الخليجية اندفاعاً في الاستثمار، لتسهيل سباق المنافذ البحرية على طريق قناة السويس بعد خطواتها لتمويل موانئ متعددة الأغراض في إرتيريا والصومال.

تفريعة قناة السويس التي استدرجت الاقتصاد المصري لمصيدة الاستنزاف الدولاري كانت إلى حد بعيد نصف الرؤية التي لم تكتمل ولن تكتمل، في إطار منظومة العداء العربي – الإيراني وتنويعاته القائمة في سوريا واليمن، فالحديث عن اقتصادات قائمة على التجارة والتبادل يحتاج إلى حالة من الاستقرار التي تضمن الاستمرارية في المدى البعيد واسترداد الاستثمارات التأسيسية الباهظة، ولذلك كانت معركة إفريقيا في الحرب العالمية الثانية هي معركة الوصول إلى السويس، وليس أي مكان آخر، وبفشل الألمان في التقدم لمحيط القناة، حدثت الانتكاسة الكبرى لهم في إفريقيا، فكل الأراضي الشاسعة التي استحوذوا عليها لم تكن لتساوي ذلك الممر المائي بين مياه الأحمر والمتوسط. ولكن هل يعني ذلك أن اسرائيل تضع ضمن مخططاتها أن تحفر قناة أخرى بين البحرين، كما تصور بعض وسائل الإعلام؟ بالقطع يرتقي مستوى الرؤية الاستراتيجية الاسرائيلية على هذه الخطوة، فالمطلوب هو شرق للمتوسط يتقدم في وزنه وأهميته أي بدائل أخرى، ولتمرير مشروع اسرائيل فإن سواحل ساخنة لبحر العرب تغذيها نيران الصراعات العربية – الإيرانية متطلب اسرائيلي أساسي لدورها المقبل. اسرائيل هي المستفيد الأول من حروب الوكالة بين دول الخليج وايران، وتجفيف أهمية الطريق البحري واستعادة طريق الحرير في نسخة جديدة، تكون حيفا مركزها ونقطة استقطابها أولوية اسرائيلية، وبينما يمضي الصراع على التطويق جنوباً، فإن المشروع الحقيقي يكتمل في الشمال، وتخدم السياسة الحالية لدول الخليج والرؤية الاستراتيجية الساقطة بالتقادم كل المشروع الاسرائيلي، خاصة أن دول الخليج إن لم تتمكن من إعادة ترتيب أولوياتها ستجد نفسها تفتقد حتى الجاذبية الذاتية القائمة على قدرتها الاستهلاكية العالية نتيجة لصعود البدائل النظيفة للطاقة والتوجهات الأوروبية لإحلالها خلال العقدين المقبلين.

لم تعد مشكلة اسرائيل أن تحتفظ بوجودها في ما اغتصبته في فلسطين فهذه مرحلة من الماضي بالنسبة لتل أبيب، والمرحلة الجديدة هي ممارسة دور القطب الإقليمي الذي يتناسب مع الثقافة اليهودية، بوصفها قائمة على الوساطة والخدمات الوظيفية، ولذلك فإن إرهاق المنافسين العرب المحتملين في حروبهم مع المنافسين الآخرين (ايران وتركيا) مسألة تصب بالكامل في مصلحة اسرائيل، وعلى المنافسين أن يدركوا هذه الحقيقة بأن حروبهم الصغيرة لا يمكن أن تصنع المستقبل المنشود، وأنها ستؤدي إلى استنزاف كامل يعقد الموقف، ويأتي على ما جرى إنجازه خلال عقود الفورة النفطية، ويفترض أن جيلاً جديداً أسسته دول الخليج من أبنائها يمتلك الفطنة اللازمة والكافية لمواجهة استراتيجية اسرائيل، مقترنة مع الوعي بأن اسرائيل لا تصلح بوصفها شريكاً مستقبلياً وأن التاريخ قدم الكثير من الأدلة والقرائن على ذلك.

أضف تعليقك