facebook
twitter
Youtube
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss

ثقافة التلفيق

الجمعة ١٤\٠٧\٢٠١٧
جميل النمري

تابعتُ السجال حول محاضرة د. زغلول النجار في مجمع النقابات المهنية ولم أتدخل، ثم إنني كنت أقرأ أمس في موقع ديني لقس أميركي عن التنبؤات العلمية والتاريخية المذهلة في العهد القديم، فقلت ما أشبه هذا بذاك، وفكرت هل سيبدو الكلام المكتوب باهرا ومقنعا لشخص من دين آخر مثلا؟ فمن المؤكد أن الكاتب يراهن على أناس مهيئين سلفا لقبول هذا الكشف المدهش أي على أناس مؤمنين أصلا ويسعدهم ان يقدم لهم ما يثبت لهم صحة إيمانهم، وهم ينظرون لهذا الاجتهاد بتعاطف بسبب النية الحسنة التي ينطلق منها وهي الولاء والحماسة الدينية. وهذا هو الجانب الاستغلالي الكامن عند الذين صنعوا مجدا ونجومية من هذه “المهنة”؛ مهنة الكشف عن التنبؤات المستقبلية والاكتشافات العلمية في النصوص الدينية.

هذه الظاهرة موجودة وتشمل النصوص الدينية وغير الدينية واحيانا اختلاق نصوص يدّعى بوجودها وتنبأت بأحداث الحاضر. خذ مثلا ” برتوكولات حكماء صهيون” وقد أصبحت أسطورة تعود كل بضعة أعوام ليقال إن فيها عن خطط سيطرة اليهود على العالم مما نراه يحدث الآن، وفي كل الأحداث الكبرى التي عشناها تجد من يأتيك بنص أو أبيات شعر من قرون سابقة تنبأت حرفيا بأحداث اليوم (هل تذكرون التنبؤات عن ظهور صدام وحرب الخليج)، وبالطبع كان لظهور داعش نصيب وافر اذ اكتشفنا الآن ان التنبؤ به ظهر في كثير من النصوص القديمة. والعجيب اننا لا نكتشف هذه النصوص وبهذه المعاني الا بأثر لاحق للأحداث.

ينطبق الأمر نفسه على الاكتشافات العلمية، فقد وضع محترفو “الإعجاز العلمي” القرآن الكريم في سباق دائم مع العلم والاكتشافات العلمية، ويتسابق هؤلاء في اختيار آية ما لربطها بأحد الاكتشافات أو المنجزات العلمية، وهكذا نعرف فقط الآن وعلى يد هذا أو ذاك أن هذه الآية الكريمة أو تلك تعني هذه الحقيقة العلمية أو ذاك الاكتشاف! انها قصة غير نافعة فبعض الاكشافات أو الطروحات العلمية ذاتها تكون فرضية قابلة للتعديل والتطوير وفق تقدم العلم لكن نجوم الاعجاز العلمي على غرار د. زغلول النجار وهو مكتشف قصة “انزال الحديد” التي يمكن لمن شاء التدقيق فيها واكتشاف انها “فبركة” علمية، يعرفون انهم يلقون بذارهم في أرض خصبة متقبلة لما يجتهدون به مع أن علماء دين أكثر رصانة يتصدون لهم ويرفضون طريقتهم. أما أنصار الاسلام السياسي فيبدو انهم يستسيغون هؤلاء واجتهاداتهم ولهم مصلحة سياسية معهم.

يا ليت لو أن محترفي “الإعجاز العلمي” يبذلون جهدا في وضعنا على طريق المشاركة في تحقيق الانجازات والاكتشافات العلمية بدل اللهاث وراء هذه الاكتشافات واثبات ان النصوص الدينية سبقت اليها. ما جدوى هذا الجهد وما قيمته اذا كانت الاكتشافات والانجازات تجري عند غيرنا مع انها موجودة تحت نظرنا في كل يوم وكل ساعة!

ما يدفعني للكتابة في هذا الأمر هو حقيقة الضرر البالغ في هذا النهج الذي يعوض قصورنا العام أمام الغير في ميادين العلم والحضارة بتعويض استرضائي بائس للذات فكل ما يكتشفه الغير موجود سلفا لدينا وفي مكان لا يأتيه الباطل من أمامه ولا من خلفه ولننم سعداء راضين باكتشافات عباقرة الاعجاز العلمي. أما الضرر الآخر فهو تسويق التلفيق من أوسع الأبواب وأكثرها قبولا لدى العامّة لتصبح جزءا سائدا من الثقافة العامة التي تعاني اصلا من كل مظاهر التخلف والانحدار.

أضف تعليقك