facebook
twitter
Youtube
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss

هل قتل «البغدادي» حقاً؟

الاثنين ١٩\٠٦\٢٠١٧
حسن أبو هنية

أثار إعلان وزارة الدفاع الروسية عن احتمال ترجيح مقتل «البغدادي» في غارة جوية روسية على الرقة جدلا واسعا في توقيته وآلية تنفيذه والمكان المفترض للغارة ودوافع الإعلان الروسي، ذلك أن مقتل زعيم تنظيم الدولة الإسلامية «أبو بكر البغدادي» ليس خبرا عاديا، فهو ينطوي على أهمية كبيرة على الصعيدين المادي والرمزي، في سباق الحرب على»الإرهاب» نظرا لما يمثله البغدادي من أهمية في تطوير البناء الهيكلي للتنظيم وأثره البالغ على وحدة التنظيم وتماسكه، ونظرا لخطورته محليا وإقليميا ودوليا، لما يمتلكه من خبرات تراكمت على مدى سنوات طويلة منذ بروزه إبان حقبة الاحتلال الأميركي للعراق 2003، فقد واكب البغدادي تطور التنظيم ورافق معظم قياداته بدءا من شبكة الزرقاوي مرورا بالقاعدة في بلاد الرافدين فدولة العراق الإسلامية وصولا إلى تنظيم الدولة الإسلامية.

تشير السيرة الخاصة بالبغدادي أن اسمه إبراهيم بن عواد بن إبراهيم البدري السامرائي، من مواليد عام 1971، في الجلام من أعمال سامراء العراقية، من عشيرة البوبدري العراقية, وهو خريج الجامعة الإسلامية في بغداد درس فيها البكالوريوس، والماجستير وأعد أطروحة دكتوراه في التجويد، وقد عمل أستاذا ومعلما وداعية، في زمن النظام العراقي السابق، وكان إماما وواعظا في جامع أحمد بن حنبل في سامراء، ثم جامع الكبيسي في منطقة الطوبجي في بغداد.

أسس البغدادي غداة الاحتلال الأميركي للعراق 2003 تنظيما سلفيا جهاديا باسم «جيش أهل السنة والجماعة»، حيث اعتقلته قوات التحالف في سجن «بوكا» ثم أطلقت سراحه في كانون الثاني 2004، أذ لم تعتبره تهديداً رفيع المستوى، وقد انضم مع تنظيمه الى «مجلس شورى المجاهدين» عام 2006، الذي شكله تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين بزعامة الزرقاوي، وعندما أعلن عن تأسيس «دولة العراق الإسلامية»، بزعامة أبو عمر البغدادي شغل منصب عضو في مجلس شورى، وبعد مقتل أبوعمر تولى قيادة التنظيم في السادس من ايار 2010م، وقد توسع التنظيم تحت قيادته وسيطر على مساحات واسعة في العراق وسورية، وعقب السيطرة على الموصل في حزيران 2014 وإعلان التنظيم عن قيام دولة «الخلافة»، تمت تسميته كـ «خليفة».

نظرا لخطورة البغدادي وضعته الولايات المتحدة على لائحة «الإرهاب» في تشرين اول 2011، وعرضت مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تقود إلى القبض عليه أو قتله، ثم رفعت واشنطن قيمة المكافأة في كانون اول 2016 لتصل إلى 25 مليون دولار لمن يقدم معلومات تساعد على تحديد موقعه أو إلقاء القبض عليه أو إدانته، ورغم الملاحقة الشديدة فقد نجا من عدة محاولات لاغتياله.

على مدى السنوات الثلاث الأخيرة تمكنت الولايات المتحدة من قتل معظم قيادات الصف الأول التاريخية في تنظيم الدولة الإسلامية، وكان آخرهم البحريني تركي البنعلي، ورغم الملاحقة الحثيثة نجا البغدادي من محاولات اغتيال أميركية عديدة، الأمر الذي يضع إعلان وزارة الدفاع الروسية في 16 حزيران 2017 بأن ثمة معلومات تدل على مقتل زعيم تنظيم «داعش» الإرهابي أبو بكر البغدادي بإحدى غارات القوات الجوية الروسية على الرقة السورية موضع شك.

تبدو رواية وزارة الدفاع الروسية ركيكة ولا تتوافر على مصداقية، فقد جاء في بيانها أن الغارة تم توجيها ليلة 28 ايار الماضي إلى مركز قيادة تابع للتنظيم، انعقد فيه آنذاك اجتماع لقياديين داعشيين لبحث مسارات خروج الإرهابيين من الرقة عبر ما يعرف بـ»الممر الجنوبي»، وتابعت الوزارة: «حسب معلومات نتأكد من صحتها عبر مختلف القنوات، كان زعيم «داعش» إبراهيم أبو بكر البغدادي أيضا حاضرا في الاجتماع، وتم القضاء عليه جراء الغارة»، وجاء في بيان وزارة الدفاع أن الغارة نفذتها طائرات من طراز سوخوي 35 وسوخوي 34 في الضواحي الجنوبية للرقة. وتم إبلاغ الجانب الأميركي مسبقا بتوجيهها، وحسب البيان الروسي أسفرت الغارة عن تصفية قرابة 30 قياديا ميدانيا في التنظيم الإرهابي، إضافة إلى قرابة 300 مسلح من حراس هؤلاء القياديين.

لا شك أن الإعلان الروسي ينطوي على مبالغة يصعب تصديقها بقتل هذا العدد الكبير، فمن المعروف أن التنظيم لا يمكن أن يعقد اجتماعا بهذا العدد وهذه الطريقة، وهو يتحرك دوما بقوات خفيفة وسريعة الحركة وبمجاميع بسيطة، كما أن التنظيم عمد في فترة مبكرة نهاية 2016 إلى نقل معظم قياداته في الموصل العراقية إلى مناطق في عمق صحراء الأنبار، ونقل معظم قياداته في الرقة السورية إلى عمق صحراء الشام في ريف دير الزور وبادية حمص، كما أن التاريخ العسكري الروسي لا يشير إلى قدراته على تنفيذ استهدافات دقيقة، ومعظم عمليات قطع الرؤوس لقيادات التمرد في الجوار الروسي تمت عبر عمليات خاصة، وبدوره قال العقيد جون دوريان، المتحدث باسم التحالف الدولي ضد «داعش» بقيادة واشنطن، في تصريح لـ»رويترز» إن التحالف لا يستطيع في الوقت الراهن تأكيد مقتل البغدادي بغارة روسية.

المعلومات الاستخبارية المؤكدة حول البغدادي حسب وزارة الدفاع الأميركية الصادرة في كانون اول 2016 أن زعيم تنظيم الدولة لا يزال حيا، وقد رجحت أنه غادر مدينة الموصل العراقية إلى منطقة صحراوية داخل حدود العراق وفي اذار الماضي، الأمر الذي يتطابق مع معلومات مؤكدة عن نقل البغدادي لمعظم صلاحياته لمجلس «اللجنة المفوضة» في التظيم في إيريل الماضي مع اشتداد معركة الجانب الأيمن من الموصل.

ليست المرة الأولى التي تعلن فيها جهات غر موثوقة نبأ مقتل البغدادي، فقد أثارت الأنباء الواردة حول احتمال إصابة زعيم التنظيم في اذار 2015 موجة من التكهنات والإشاعات تتعلق بهوية الخليفة المنتظر، ولم تقف الإشاعات آنذاك عند حدود مسألة خليفة البغدادي المحتمل، بل ذهبت إلى التأكيد على أن تنظيم الدولة دخل في حالة من الارتباك والنزاع والخلاف والصراع بين مراكز القوى داخل التنظيم تؤذن بتفككه وانهياره وأفوله، وتكاثرت الأنباء والإشاعات حول إصابة أو مقتل البغدادي عقب بدء الضربات الجوية الأميركية على معاقل التنظيم في العراق في آب 2014، ثم توسعها لتشمل استهداف التنظيم في سوريا في ايلول 2014، فقد تم الإعلان عن إصابة البغدادي وقتله مطلع تشرين الثاني 2014، ولم تنقطع الاشاعات حيث تم الإعلان عن إصابة البغدادي وقتله كانون اول 2014، وتكررت في كانون الثاني 2015، ومطلع اذار 2015.

بصرف النظر عن مصداقية البيان الروسي حول احتمال ترجيح مقتل البغدادي، فإن التنظيم يشهد تراجعا بفعل الحملة الدولية على معاقله في الموصل والرقة، وسوف يعود التنظيم إلى منطق حرب العصابات ويتخلى عن منطق الدولة والسيطرة المكانية، وتتوافر لدى التنظيم خبرة طويلة في الحفاظ على هياكله التنظيمية، فقد استطاع بناء منظمة بيروقراطية صارمة، فعندما أعلن عن مقتل أبو عمر البغدادي في 19 نيسان 2010، إلى جانب وزير حربه، أبي حمزه المهاجر، بادر تنظيم دولة العراق الإسلامية سريعاً إلى استبدال كبار قادته، فقد أعلن في بيان مجلس شورى المجاهدين بتاريخ 16 ايار 2010، عن بيعة أبي بكر البغدادي، وتولية أبي عبد الله الحسني القرشي وزيرا أول ونائبا له، وإذا صحت الإشاعات حول إصابة أو مقتل البغدادي فإن التنظيم سوف يقوم بتقديم نائبه أبو عبد الله الحسني القرشي، أو غيره ممن تتوافر فيه الشروط.

برهن التنظيم في أشد حالاته ضعفا على قدرته على الحفاظ على بنية هيكلية متماسكة وصلبة، وجرت عملية انتقال زعامة التنظيم من الزرقاوي إلى أبو عمر البغدادي ومنه إلى أبو بكر البغدادي بسلاسة ويسر ودون خلافات ونزاعات وصراعات داخل بنيّة التنظيم، وفي حال إصابة أو مقتل البغدادي فسوف تنتقل سلطاته إلى نوابه ممن تتوافر فيهم الشروط الضرورية عبر مجلس الشورى وأهل الحل والعقد واللجنة المفوضة.

خلاصة القول ينبغي الحذر من الأحكام المتسرعة المتعلقة بتنظيم داعش، فلا يزال التنظيم يمتلك القدرة على البقاء والتمدد والانتشار، حيث تكشف عمليات التنظيم في شرق آسيا في جزيرة مندناو في الفلبين وكذلك في خراسان وولايته في أفغانستان وفي مناطق عديدة، فضلا عن خلاياه وشبكاته التي تنفذ عمليات نوعية كما حدث في هجمات طهران ومن قبلها في بلدان أوروبية كالهجمات على بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا وغيرها، وأخيرا إعلانه عن تبني عملية في القدس، عن قوة التنظيم الإيديولوجية وقدرته العملياتية وفعاليته في التجنيد والاستقطاب، ولا يشكل مقتل البغدادي سوى نهاية مرحلة وبداية حقبة جديدة.

أضف تعليقك