facebook
twitter
Youtube
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss

اللوبي الصهيوني و«الإسلام الراديكالي»: استئناف اللعبة العتيقة

السبت ٤\٠٣\٢٠١٧
صبحي حديدي

02qpt995

-الاصلاح نيوز

يوماً بعد آخر يتكشف حماس دانييل بايبس، الكاتب الأمريكي الصهيوني، لإجراءات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بصدد الإسلام والمسلمين، ليس في أمريكا وحدها، وقرارات منع الدخول لرعايا عدد من الدول ذات الأغلبية المسلمة، فحسب، بل على نطاق الشرق الأوسط، والعالم بأسره في الواقع. وآخر مظاهر هذا الحماس كانت «التوصية» التي قدّمها «منتدى الشرق الأوسط»، الذي يترأسه بايبس، حول «هيئة البيت الأبيض لمجابهة تطرّف الإسلام الراديكالي»، الذي تردد أن ترامب يزمع تشكيلها قريباً، لكي تستبدل «مجموعة العمل لمجابهة التطرّف العنيف»، التي كان الرئيس السابق باراك أوباما قد شكّلها، في سنة 2010.
الطريف أنّ ملخص هذه «التوصية» رأى النور، للمرّة الأولى، في إحدى ضواحي تل أبيب («العاصمة الدبلوماسية»، إذْ أنّ بايبس لا يعترف بغير القدس المحتلة عاصمة لإسرائيل)، وذلك خلال مشاركة رئيس المنتدى في ندوة عقدها «مركز بيغين ـ السادات للدراسات الاستراتيجية»، تحت عنوان «التحديات الاستراتيجية في شرق المتوسط». كأنّ بايبس أراد التشديد، في المقام الأوّل، على صدارة أمن إسرائيل في كلّ إجراء أمريكي ضدّ «الإسلام الراديكالي»، ولهذا فقد صال وجال في أروقة الندوة وخلال جلساتها، فاصطدم مع السفير التركي (حين أفصح بايبس عن أنه كان مؤيداً للانقلاب العسكري الفاشل)، واستعاد هجاءه لانتفاضات العرب من منطلق أنها إسلامية البواعث…
الطريف التالي حول «التوصية»، إياها، أنها تقع في 16 ألف كلمة ونيف، وتنهض على أربعة أقسام (بنية الهيئة، طبيعة تفويضها، اختيار أعضائها، كيف تُلزم الحكومة بتنفيذ توصياتها)، فضلاً عن أربعة ملاحق (نصّ خطاب ترامب حول الإسلام الراديكالي، نماذج عن هيئات رئاسية سابقة، نموذج الأمر الإداري المقترح، وحالة المملكة المتحدة في هذا المضمار). وأما ذروة الطرافة فهي اقتراح أعضاء لهذه الهيئة، من أمثال بايبس نفسه، وجون بولتون (المندوب الأمريكي الأسبق لدى الأمم المتحدة)، وألن درشوفيتز (محامي اللوبي اليهودي الأشهر، والأشرس، في أمريكا)… على نحو يجعل هذه الهيئة ألعوبة جديدة، في استراتيجية عتيقة انتهجها اللوبي الصهيوني في أمريكا، بصفة خاصة.
وللمرء أن يتذكر، هنا، أنّ آخر معارك بايبس، حول «الإسلام غير الراديكالي» إذا جاز القول، كانت التشديد على عجز المجتمعات العربية والإسلامية عن الاحتفال بعيد الحبّ (الفالنتاين)، حين نشر، في صحيفة «نيويورك صن» الأمريكية، مقالة تفيد التالي: كلّ المعمورة تحتفي بيوم الحبّ، ما عدا الإسلام، الذي لا يأبى الاحتفال بهذا العيد الإنساني الجميل فحسب، بل يكرهه ويحرّمه. كيف؟ في ماليزيا يهدر المفتي ضدّ العيد، قائلاً: «نحن المسلمين لسنا بحاجة إلى هذه الثقافة والممارسة، وهي بوضوح مخالفة لتعاليم ديننا». وفي إيران أمرت الشرطة الباعة بإزالة الزينات المرتبطة بالقلب والوردة، فضلاً بالطبع عن الصور التي تظهر أيّ عناق بين ذكر وأنثى. وفي السعودية نصّت الفتوى على أنّ الإسلام لا يعرف سوى عيد الفطر وعيد الأضحى، فحرّمت عيد الحبّ، وأمرت الشرطة بالتجوال على المحالّ والمخازن للتأكد من أنها لا تبيع الورود والهدايا الأخرى المرتبطة بيوم فالنتاين!
هنا، وجرياً على عادته، أخذ بايبس الناس بجريرة ما يفعل الحاكم أو الشرطيّ أو المفتي أو الإمام، وليس استناداً إلى ما يفعل المواطن نفسه، وما يؤمن به ويتفق معه أو يختلف. وهو، دون مفاجآت، تجاهل تماماً ما فعل العشاق العرب والمسلمون في ذلك اليوم، ولم يشكّل السلوك الفعلي لملايين البشر المسلمين أدنى قرينة دالّة عنده. العبرة، حصرياً ودائماً وبلا جدال أو سجال، في ما يقول أُولو الأمر للمسلمين، وليس في ما يفعل المسلمون أنفسهم. الخلاصة الذهبية هي أنّ كراهية عيد الحبّ مجرّد تفصيل، ولكنها مع ذلك ترمز إلى مقصد أكثر جدّية وخطورة، هو «مناهضة الحداثة»، وبذلك فإنّ «الصراع الأجيالي والثقافي على بطاقات المعايدة التي تأخذ شكل قلب، يؤشّر على المعركة التي تدور حول روح الإسلام»… ليس أقلّ!
أهذا هو الرجل الملائم لمجابهة «الإسلام الراديكالي» في أمريكا؟ أم هو، على وجه الدقة، الرجل الأنسب لازدهار تلك الراديكالية، والمساعدة على تجنيد أنصارها؟ ذلك لأنّ خطاب بايبس لم يتغيّر، ولا يتغيّر، إلا نحو الأسوأ والأكثر ضحالة وسطحية وسوء طوية. وما يوصي به اليوم لا يصحّ أن ينفصل عن تنظيراته السابقة حول رقاد العرب والمسلمين خارج التاريخ، في أحضان وحاضنات «الإرهاب الإسلامي» وحدها. وحتى يخرج على العالم بنقد ذاتي عميق لأطروحاته، وهيهات أن يفعل بالطبع، فإنّ أطروحته المركزية تظلّ هذه، باختصار بليغ: «المسلمون دخلوا في غيبوبة خلال القرنين الماضيين، وهي محنة أهل الله الذين وجدوا أنفسهم في أسفل الركام. ولا غرو أنّ بلاد الإسلام تضمّ معظم الإرهابيين والحجم الأقلّ من الديمقراطيات في العالم».
هو، أيضاً، ذاك الذي لم يكفّ عن استعادة مرابطة الجيوش العثمانية أمام أسوار فيينا قبل مئات السنين، فكتب: «هنالك أساس واقعي للخوف من الإسلام. فمنذ موقعة أجنادين سنة 634 وحتى حرب السويس سنة 1956، كان العداء العسكري هو المهيمن علي العلاقة المسيحية ـ الإسلامية (…) وفي واقع الأمر لم يتوصّل الأوروبيون إلى بناء دولتهم إلا عن طريق طرد المسلمين، بدءاً من استعادة إسبانيا في مطلع القرن الثاني عشر وحتى حرب استقلال ألبانيا سنة 1912». ولكي لا يقع المرء في سوء فهم يجعله يظنّ أنّ الإرهاب مقيم في دار الإسلام وحدها، يذكّر بايبس بأنّ «مجتمعات أوروبا غير مهيأة لهذه الهجرات الواسعة من المسلمين سُمر الوجوه، الذين يطبخون أطعمة غريبة، ويلتزمون بمعايير مختلفة للصحّة والحياة. إنهم، في عبارة أخرى، يهددون فيينا من داخلها أكثر من تهديدهم لها عند البوّابات».
والذي يريد مناهضة «الإسلام الراديكالي»، في مهده وحواضنه على امتداد العالم المسلم، قبل أمريكا، هل يستبدله بالاستبداد، والأنظمة الوراثية/ المزارع العائلية، وقتلة الأطفال، ومستخدمي الأسلحة الكيميائية، وصانعي الهولوكوست المعاصر…؟ في ربيع العام 2013، بلغ بايبس الخلاصة التالية، الصريحة الواضحة: ادعموا بشار الأسد، ضدّ الثائرين عليه! لماذا؟ يكتب بايبس: «موقفي ليس نابعاً من أي تعاطف مع نظام الأسد أو إعجاب به، فهو نظام فظيع جدير بالازدراء. ولكني إذْ أنظر إلى الموقف ككلّ، نظام الأسد البغيض، والمتمردين الذين يزدادون فظاعة، أعتقد أنّ الأفضل لنا هو أن يواصلوا الاقتتال فيما بينهم. لا أريد منتصراً في هذه المعركة يتولى قيادة سوريا، ويصبح جاهزاً لقتال جيرانها. ونحن في حال استراتيجية أفضل إذا ركّزوا على بعضهم البعض، وهذه نقطة استراتيجية وليست إنسانية».
وهو ينتهي عملياً إلى هذه الخلاصة: لا تسمحوا بهزيمة الأسد، وانصروه، فهو الأفضل لمصالحنا الاستراتيجية.
وإذْ يرى أنّ الثائرين على الأسد ليسوا دعاة إصلاح وطلاّب مستقبل أفضل، بل هم ببساطة ضحايا «هوّة لا تُجسر» بين الطائفتين، السنّة والعلويين، وأنّ الشارع السياسي السوري ليس معارضاً، بقدر ما هو «حشود منساقة خلف أطراف الاقتتال الطائفي»، فإنّ حماس بايبس إلى مساندة الأسد ليس أقلّ من دعوة إلى صبّ الزيت على النار، لصالح الخلاصة الكبرى: حافظوا على نظام الأسد، ما دام يحفظ أمن إسرائيل. إنه سعيد بأن يستهلك النظام صواريخ الـ»سكود» في قصف حلب بدل تل أبيب، وأن تُستخدم ترسانة النظام من الأسلحة الكيميائية في الغوطة، بدل أن يسقط ما وزنه غرام واحد منها على «أرض إسرائيل».وبعد هذا كله، يريد لإسلام «راديكالي» أن يتراجع أو ينحسر أو يعتدل؟

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

أضف تعليقك