facebook
twitter
Youtube
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss

الأردن: «الجوع لا يخاف»

الأربعاء ١١\٠١\٢٠١٧

10qpt698

الاصلاح نيوز – 

يختصر احد قادة العشائر في الاردن تلك المسافة الحرجة بين التردد والخوف وهو يجمع اولاده ويطالبهم بالسكوت والتغاضي عن المجاورين الذين يسرقون من مزرعته الخاصة والكبيرة على اساس العبارة التالية «الجائع لا يخاف يا اولادي».

حسب هذه الرواية المنقولة تراثيا استغرب الاولاد لأن والدهم الشيخ يمنعهم من استخدام السلاح لفرض هيبة مزرعتهم التي يسرق منتجاتها في الليل بعض الغرباء والمجاورين من سكان المنطقة.

وجهة نظر هذا الشيخ ان استخدام السلاح والعنف قد ينفع مع اللصوص والمنحرفين لكنه لا يمكنه ان ينتج عندما يتعلق الامر بالجائعين.

حادثة استوقفتني وانا استمع لها من احد الاصدقاء الخبراء وهو يعتبر بان السلاح والقانون والهيبة لا يخضع لها الجائع حصريا فمن يجوع لا يخاف من شيء ويحمل روحه على كفيه.

تبدو مثل هذه الحكاية الصغيرة مقدمة مناسبة لإطلاق غابة الاستفسار والتفاؤل عن حقيقة كيفية تفكير صانع القرار في الاردن بتداعيات سلسلة من القرارات الاقتصادية الصعبة التي تلوح بها الحكومة مقابل برلمان وديع يحاول عبثا مجاملة الحكومة والسلطة تحت ستار تقدير الظروف العامة اكثر بكثير من الاجتهاد في احترام وتقدير اوجاع الناس خصوصا الاقتصادية.

شخصيا لم يسبق لي ان رأيت او رصدت حزمة من القرارات والاتجاهات القاسية تسارع اي حكومة لفرضها بالطريقة الحالية.

وبعد ربع قرن من المتابعة المهنية لم يسبق لي ان شعرت بذلك الفارق والهامش المتسع بين اوجاع الناس على الارض وتفكير الحكومة المشغولة حصريا بهاجس اسمه خفض العجز المالي وبصورة تتطلب حزمة رفع للأسعار والضرائب لا يوجد من يتخيل بين الاردنيين انها يمكن لأن تتصدر بهذه الغلاظة والخشونة وبنفس الوقت.

تهدد الحكومة الناس عبر التوسع في الحديث عن المديونية التي اقتربت من حاجز الـ 40 مليار دولار وما يثير القلق والسؤال هو ان السلطة تريد من المواطن الاردني الصبر والاحتمال والتسليم بدون اي شروحات مقنعة تجيب على سؤاله العالق حول الاسباب التي ارتفعت بالمديونية إلى هذا المستوى.

بدا غريبا جدا ان تعويض العجز المالي وسيلة لا تقابلها سياسات تقشف حقيقية على مستوى الانفاق خصوصا على صعيد المساحات التي تقنع المواطن بان الحكومة ونخبتها مستعدون للتضامن معه ولو على اساس المشاركة في تحمل الاعباء.

وبدا اكبر من الغرابة ان يعلن رئيس المشروع النووي الاردني الدكتور خالد طوقان بانه يبحث عن تمويل لمشروعه بمقدار 7 مليارات دولار في الوقت الذي يغرق فيه الاردني المواطن بحسابات القرش والدينار في اليوم التالي لاستلامه لراتبه وفي نفس الوقت الذي يتراجع فيه الاستثمار وتبدو الحلول السياسية الاقليمية والدولية غير فعالة او مطروحة بسبب سلسلة من الاخطاء الفادحة في الاصطفاف السياسي.

لا اعرف طريقة لإقناع المواطن الاردني بان احفاده واولاده في الظرف الحالي الصعب سيتحملون عبء استدانة المليارات السبعة التي يلمح لها والد المشروع النووي الاردني.

ولا اعرف بالمقابل سببا مقنعا يدفع اي حكومة وفي اي وقت لزيادة اسعار كل السلع والخدمات وبطريقة قاسية وغليظة وليس بالتدريج كما كانت العادة وعلى طريقة الحقنة الواحدة سريعة التأثير فمثل هذه السلوكيات كانت تتجنبها الحكومات المتعاقبة تحت عنوان الحفاظ على الامن والاستقرار في الوقت الذي لم نعد نسمع فيه تلك الكلمات والعبارات اللعوبة التي تتحدث بالعادة عن خطة رشيقة لتوجيه الدعم لمن يستحقه من فقراء الناس في برامج السلع والخدمات.

نقدر ظروف البلاد ونعرف حساسية الموقف وقد نشكر الحكومة الحالية على شفافيتها وجرأتها في المصارحة لكنها لا ترد على تلك الاجتهادات التي تقترح البدائل وتبدو مستعدة للإسراع الخشن في حزمة اصلاحاتها الاقتصادية بدون اظهار ولو قدر من التعاطف مع المسحوقين من ذوي الدخول المتآكلة او حتى مع الطبقة الوسطى التي انضمت للفقيرة في الوقت الذي يستطيع فيه اثرياء المجتمع والقوم الدفاع عن مصالحهم اما عبر حقائبهم الوزارية الممثلة او عبر مقاعدهم في البرلمان او بواسطة تمويلهم للضجيج والاعتراض الاعلامي بين الحين والآخر.

نعم نقدر الظرف الاقتصادي والمالي ونلمس تلك الضغوط التي تتحرك الحكومة بينها ونصفق للإبداع السياسي والامني بعد تجاوز البلاد والعباد لأزمة وحقبة الربيع العربي بالحد الادنى من خسائر الاقتصاد فقط.

نقدر كل ذلك لكن ظروف الناس ايضا صعبة وبعض المبالغ التي تابعتها سلطات القضاء وتفيد بان اشخاصا سرقوها ويطاردهم نظام العدالة تساوي وتوازي رقم العجز المالي المنشود فيما نشعر بان الطاقم الاقتصادي يبالغ في الاجراءات ويتجاهل البدائل ويسعى لتحقيق فائض مالي يتجاوز قيمة العجز المعلنة.

بعد تقدير كل ذلك لا بد من التوقف ولو قليلا عند آهات المتألمين من الناس خصوصا مع توسع قواعد الفقر والبطالة وتدني المداخيل وضعف الوظائف وجنون الاسعار في كل مناحي الحياة.

نعم على السلطة ان تتوقف لأن الترف الاقتصادي والمالي الناتج عن طبقة وسطى كانت مستقرة لم يعد موجودا ولأن الناس قلقون ولأن الكثير من المواطنين اصبحوا على اعتاب الجوع وتحت ودون مستوى خط الفقر المعلن بالأرقام الرسمية.

٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»

 

بسام البدارين

 

أضف تعليقك